مراحل تطور التقریب التاریخی (1) – تحلیل حول نهضة سید جمال الدین الأسد آبادی
 
إن التقريب اجتاز مراحل متعددة ومهمة، أهمها وأبرزها ما يلي:
 
المرحلة الأولى: مرحلة ورود التقريب في النصوص الدينية:
 
فالتقريب ليس مفهوماً مستحدثاً وجديداً؛ بل إنّه وردت مادة التقريب وفكرتها في بعض الروايات عند أهل السنة وكذلك عند الشيعة، لكن ليس تحت عنوان "التقريب بين المذاهب"؛ وإنما بعنوان "التقريب بين المتباعدين".
 
أما ما ورد في المجاميع الروائية لأهل السنة فمثل ما رواه في المعجم الكبير (الرقم: 3922) من أن النبي (ص) قال لأبي أيوب: " .... تسعى في صلح بين اثنين إذا تفاسدوا وتقارب بينهم إذا تباعدوا" وما رواه البزار (برقم 2060) من قول النبي (ص) لأبي أيوب: " .... صل بين الناس إذا تفاسدوا وقرب بينهم إذا تباعدوا".
 
وأما ما ورد في المجاميع الروائية للشيعة هو قول الإمام الصادق (ع) "صدقة يحبّها الله إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقارب بينهم إذا تباعدوا" (أصول الكافي ج 2 ص 209)
 
ويستفاد من هذه الروايات أنّ المسلمين مكلفون بالعمل على التقارب من بعضهم عند الشعور بالبعد فيما بينهم لردم الهوة وتقريب المسافات، وهذا هو معنى التقريب. ومن الطبيعي أنّه لا فرق في العوامل المسببة للبعد بين أن تكون قومية أو سياسية أو غير ذلك، أو حتى الأوضاع الناشئة من تعدد المذاهب وعدم التعاطي المناسب والصحيح بين أتباع هذه المذاهب.
 
وعلى أية حال، الوعاء الذي يتجلى فيه معنى التقريب وتبرز ضرورته هو وجود "حالة من التباعد بين المسلمين"؛ ذلك أنّه لا معنى للتقريب من دون الابتعاد.
 
وهذه الروايات يمكن عدها من أدلة ومشروعية التقريب بتقريب أن يقال:
 
ان هذه الروايات تتضمن قاعدة يمكن صوغها بهذه الصورة:
 
يجب التقريب بين المسلمين في صورة حصول التباعد بينهم.
 
وهذه القاعدة موضوعها عام يشمل كل الانواع من التباعد، التباعدات السياسية والتباعدات القومية و...
 
وهذه القاعدة تطبق على التباعدات الحاصلة من الاختلافات المذهبية، وبهذا التطبيق يثبت وجوب التقريب بين المذاهب.

المرحلة الثانية: الجهود العامة للقضاء على التفرقة:
 
لا شك في وجود جهود -وإن كانت متفرقة ومتشتتة-على مرّ التاريخ لرأب الصدع بين المسلمين وإبعاد شبح التفرقة عنهم، حيث شهد التاريخ الإسلامي في غضون القرون المتمادية أنّ المسلمين أنفسهم كانوا يبادرون إلى حلّ الاختلافات التي تبرز بين فئات منهم، ومن المسلّم به أنّ تلك الجهود كانت تعتمد بشكل رئيس على الآية الشريفة: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ).
 
وعلى هذا الأساس، فالآية المذكورة هي أقدم آية جرى التمسك بها لتحقيق الوحدة الإسلامية؛ الأمر الذي جعلها تتجلى ضمن أبرز آيات الوحدة بفعل مدلولها العميق ومفهومها المؤثر. وقد تميزت هذه المرحلة بطول مدتها وانقسامها إلى مراحل أخرى مهمة عبر التاريخ.
 
المرحلة الثالثة: ظهور ظاهرة الوحدة الاجتماعية ذات نطاق عالمي واسع ومتمخضة عن تيارات وحدوية:
 
وهذه المرحلة هي التي أنشأها السيد جمال الدين، وتتسم هذه المرحلة بالتميز والعمق التاريخي.
 
ان السيد كان من أبرز المنادين بالوحدة وأكثرهم فطنة على امتداد التاريخ الإسلامي؛ فقد خاض عباب هذا البحر متسلحاً بعبارة "الوحدة الإسلامية"، مستخدماً في هذا المجال أساليب خاصة وسبل متنوعة، بحيث ما زالت الأجيال الحالية- لا سيما التقريبية منها- تدرس حيثياتها وتأثيراتها، وفي الحقيقة لا بد من إخضاع تلك الأساليب الاجتماعية العميقة والشاملة للبحث والدراسة والتمحيص.
 
وقد برزت الوحدة التي طرح السيد فكرتها في الميدان الإسلامي كتيار اجتماعي بارز، له أبعاده! وخصائصه وقابلياته.
 
والابعاد التي كانت تتمتع بها هذه النهضة الاجتماعية كانت ابعاد متنوعة ومختلفة متميزة، ويمكن تصنيف أبعادها كما يلي:
 
الأولى: الابعاد المحتوائية:
 
لقد اشتملت أساليب السيد جمال الدين على أنواع مختلفة من الجهود الاجتماعية؛ فصهر مساعيه الابتكارية والمحاور القائمة عليها في بوتقة خاصة من الجهود الاجتماعية الجبارة، وكانت أهم تلك المحاور:
 
▪ خلق أدبيات جذابة وممتعة،
▪ صياغة أفكار جديدة للعالم الإسلامي،
▪ عرض سيرة أخلاقية واجتماعية بصبغة إسلامية،
▪ إصدار مجلة ونشر كتب تحليلية على مستوى يتجاوز التوجهات الطائفية.
عموماً.
 
الثانية: الأبعاد فوقومية:
 
انها نهضة كانت بوسعها صياغة "ظاهرة تقريبية"، استطاعت أن تبلور نهضات وحركات مختلفة عند شعوب مختلفة.
 
الثالثة: الابعاد فوق المنطقية:
 
أنّها كانت نهضة قادرة على عبور الحدود الجغرافية وعدم التوقف عندها.
 
الرابعة: الابعاد فوق المذهبية:
 
تميز المرحوم جمال الدين بسلوك وسيرة لم تدع لأحد أن يكتشف من خلالها مذهبه وقومیته مطلقاً.
 
الخامسة: الابعاد فوق الزمنية:
 
تمكنت نهضته من التأثير على مسار التاريخ برمّته.
 
من هنا، لا بد من اعتبار مرحلة السيد جمال الدين مرحلة تاريخية مهمة، تلتها مراحل مختلفة، وتمخضت عن حركات اجتماعية ونهضات وحدوية في مناطق جغرافية مختلفة. وبكلمة واحدة: كان منطلقاً لحركة وحدوية ذات فلسفة خاصة وعميقة.
 
السادسة: الابعاد فوق الطبقاتية:
 
انصبّت جهوده على مواجهة ثلاث مجاميع هي: الحكام، والنخب، وجماهير الأمة؛ غير انه تركزت مساعيه على الأخذ بيد النخب، ثم حافظ على هذه القاعدة حتى نهاية المطاف، في حين اتصفت علاقته بالحكام بالتذبذب؛ فتارة يقف إلى جانبهم وأخرى يتخذ موقفاً صارماً تجاههم. وأما صلته بجماهير الأمة فقد كانت تتم في ظل تعزيز العلاقة مع النخب ومدّ جسور التواصل معهم. وعلى أية حال، ما كان ليفرط بأي فرصة تسنح له؛ ولذا كان متميزاً ومن استثناءات التاريخ.
 
وعلى هذا الأساس، ينبغي أن تشتمل دروس التقريب على درس بعنوان "التعريف بسيد جمال الدين"، فلقد كان ملهماً وصانعاً للتاريخ. فلا بد من معرفة ذلك لسببين: للوقوف على تاريخ التقريب من جهة والتعرف على أساليبه الفاعلة من جهة أخرى.
 
* سماحة الدكتور أحمد مبلغي / رئيس جامعة المذاهب الإسلامية
 
 
   1395/3/31 10:50